سهيلة عبد الباعث الترجمان

419

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

إلى بقاء ، والذي يبقى به البقاء به يبقى الباقي المنعوت بكونه باقيا . وهو ما ذكرناه ، فإن كان الباقي ممن لا يتقيد فاستمرار وجوده لا غير " « 1 » . ومما يترتب على هذا البقاء للباقي المنعوت بكونه باقيا لدى ابن عربي ظهور الحضرة الإلهية وأسماءها الحسنى ، إذ بها يظهر جمال الكون ، وذلك لبقاء عين الكون ، ويشير إلى هذا المعنى بقوله : لو أنه يسفر عن برقعه * كان عذابا ، فلهذا احتجبا « 2 » ويستند في شرحه لهذا القول وما فيه من إسفار للحجاب وعذاب وغيرة إلى تأويل الحديث الشريف بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها أحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره " « 3 » فيرى في ذلك مشهدا عظيما نزيها لا يبقي أثرا ولا عينا ولا كونا ، ولهذا اعتبر أن هذا الاحتجاب حفظا لبقاء أعيان الموجودات واستمرار وجودها فقال : " فما احتجب إلا رحمة بنا لبقاء أعياننا ، فإنه في بقاء عين الكون ظهور الحضرة الإلهية وأسماءها الحسنى ، وهو جمال الكون ، فلو ذهب لم تعلم ، فبالرسوم والجسوم انتشرت العلوم وتميزت الفهوم ، وظهر الاسم الحي القيّوم ، فسبحان من أرسل رحمته عامة على خلقه وكونه لشهود صفته وعينه " « 4 » . وهناك فرق بين نسبة كل من الفناء والبقاء إلى الحق ، وما بينهما من خلاف في الرتبة إذ يرى أن في نسبة البقاء تشريفا وتعظيما لهذا الأمر من نسبة الفناء لما بينهما من فارق العلو والخفض ، ومن نسبتهما إلى الحق وإلى الكون ، فإذا كان البقاء عند بعضهم كما يقول ابن عربي هو بقاء رؤية العبد قيام اللّه على كل شيء ، وأن الفناء هو فناء رؤية العبد لفعله بقيام اللّه تعالى على ذلك ، كما أنه عند البعض الأخر هو بقاء بالحق ، وأن الفناء هو فناء عن الخلق ، فإنه يذهب إلى أبعد من ذلك في

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 55 . أيضا كتاب المسائل ، ص 25 . ( 2 ) ابن عربي ، ترجمان الأشواق ، ص 106 . ( 3 ) الحديث : أخرجه الزبيدي في الإتحاف 2 / 72 ، وذكر طرقه ورواته وما قيل فيه . ( 4 ) ابن عربي ، ترجمان الأشواق ، ص 106 . ( انظر السيوف الحداد لمصطفى البكري ، الجزء الأول ، ص 130 ) .